الغزالي
187
إحياء علوم الدين
الأول ، لأنه معين على القسم الأول ، ووسيلة إليه فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل ، لم يكن به متناولا للدنيا ، ولم يصر به من أبناء الدنيا . وإن كان باعثه الحظ العاجل ، دون الاستعانة على التقوى ، التحق بالقسم الثاني ، وصار من جملة الدنيا ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات ، صفاء القلب ، أعنى طهارته عن الأدناس وأنسه بذكر الله تعالى ، وحبه لله عز وجل . وصفاء القلب وطهارته لا يحصلان إلا بالكف عن شهوات الدنيا . والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله تعالى ، والمواظبة عليه ، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة . ولا تحصل معرفة الله إلا بدوام الفكر . وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت . أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا ، فهي من المنجيات إذ تكون جنّة بين العبد وبين عذاب الله ، كما ورد في الأخبار [ 1 ] « أنّ أعمال العبد تناضل عنه فإذا جاء العذاب من قبل رجليه جاء قيام اللَّيل يدفع عنه وإذا جاء من جهة يديه جاءت الصّدقة تدفع عنه » الحديث وأما الأنس والحب فهما من المسعدات ، وهما موصلان العبد إلى لذة اللقاء والمشاهدة وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت ، إلى أن يدخل أو ان الرؤية في الجنة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنة . وكيف لا يكون القبر عليه روضة من رياض الجنة ، ولم يكن له إلَّا محبوب واحد ، وكانت العوائق تعوقه عن دوام الأنس بدوام ذكره ، ومطالعة جماله فارتفعت العوائق ، وأفلت من السجن ، وخلى بينه وبين محبوبه ، فقدم عليه مسرورا سليما من الموانع ، آمنا من العوائق ، وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ، ولم يكن له محبوب إلا الدنيا ، وقد غصب منه ، وحيل بينه وبينه ، وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه . ولذلك قيل ما حال من كان له واحد غيب عنه ذلك الواحد